صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
216
تفسير القرآن الكريم
القمر يكمل تارة وينقص أخرى ، ومثل العالم بأمر اللّه كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء غيره - انتهى كلامه - ومنها : أن لا يكون متسرّعا إلى الفتوى مشتاقا إليه ، بل يكون متوقفا متحرزا ما وجد إلى الخلاص سبيلا ، فإن سئل عمّا يعلمه تحقيقا بنصّ كتاب أو نصّ حديث أو إجماع أو مشاهدة باطنية جلية أفتى ، وإن سئل عما شك فيه قال : لا أدرى ، وهذا لفظ كأن علماء هذا الزمان حرّموا على أنفسهم التلفظ به عند الاستفتاء عنهم . و في الخبر : ان العلم ثلاثة : كتاب ناطق ، وسنة قائمة ، ولا أدرى . وقيل : « من سكت حيث لا يدري للّه فليس أقل أجرا ممن نطق » لأن الاعتراف بالنقص أشد على النفس ، فثوابه أزيد وهكذا كانت عادة السابقين ، وكان بعضهم يقول حين سئل عن الفتوى : أتريدون أن تجعلونا جسرا تعبرون علينا إلى جهنم . قال ابن مسعود : « الذي يفتي للناس لمجنون » . ومنها أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال عما يفسدها ويشوش القلب ويهيج الوسواس ويثيب الشرور ، وذلك للتوقّي عنه والاحتراز من الشر لا للمرايا والممارات كما أن وضع علم المغالطات في المنطق إنما هو لأن يحترز الإنسان عن الغلط ، لا لأن يوقع غيره في الغلط . وأمّا علماء الدنيا فأكثر اهتمامهم بتتبّع غرائب التفريعات في الأقضية والحكومات والتعب في استنباط الصور الدقيقة والاحتمالات البعيدة التي تنقضي الدهور ولا يقع مثلها ، وإن وقع كان لغيرهم لا لهم ، ومع ذلك لا يخلو الأرض عمن يقوم باستنباطه والشعف بتحصيله طلبا للجاه والشهرة حسبما قدره اللّه وأودع في غريزة كل أحد ما يناسبه وينتظم به أمور غيره في عالمه - وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر إيثارا لخدمة الخلق وقبولهم على القرب من اللّه وحضوره عنده وتهالكا على أن يسميه البطالون فاضلا عالما بالدقائق ، وجزاؤه من اللّه تعالى ما ذكره